ابن جزلة البغدادي

81

منهاج البيان في ما يستعمله الإنسان

وليس الأمر على « 1 » ما ظنوا ، ولا قسمتهم صحيحة لما قسموا ؛ فإن المستدلّ بالقسمة على شيء ينبغي له أن يحصر جميع أقسام ما رام قسمته ، وإلا كان لخصمه أن يقول له : إن مرادي هو القسم الذي به أخللت ، والضرب الذي عنده أضربت . بيان ذلك أنه قال : إن الغذاءين لا يخلوان من أن يكونا « 2 » إما متشابهين أو متضادين . * وليس كذلك ؛ فإنه قد تحتمل القسمة قسما آخر ليس بمتضاد ولا متشابه ، بل مخالف ؛ فيصير تقدير الكلام إن الغذاءين إما متشابهين ، أو متضادين « 3 » * ، أو مختلفين ليس بمتشابهين ولا متضادين ، كالحموضة مع البياض ؛ فإنها ليست ضد البياض ولا مشابهة له ، بل هي مخالفة . ويجوز أن تكون مضرة الجمع بين الغذاءين لاختلاف ليس هو التضاد ولا الشبه « 4 » . ثم إنه قد يكون الشيئان ضدين « 5 » ، ولا يكون أحدهما دواء للآخر ، ولا معدّلا له إذا اتفقا في غلظ ، أو فساد جوهر ، أو كيفية عارضة غير مضادة « 6 » ، أو لتأثر الحاسة من كل واحد من المتضادين بما يؤذيها ، كمن أحرقته النار فعدل إلى الثلج ، فإنه يتأذّى بكلا الأمرين . وقد يكون الشيئان متشابهين ، ويكون أحدهما دواء للآخر ؛ إذا اتفق أن يكون أحدهما يلطّف الآخر ويصرفه . وقد يكون المتشابهان يضر الجمع بينهما لكيفية عارضة ، أو لخاصية غير مزاجهما المتشابه . على أن القول في الغذاءين إنهما متضادان على ضرب من الاستعارة والتسميح ؛ إذا كانت الجواهر من حيث هي جواهر لا تضاد فيها . وإنما التضاد في الأعراض . إلا أنه يقال ذلك في الجواهر ؛ لأنها حاملة لأعراض متضادة .

--> ( 1 ) - « الأمر لذلك على » في : س . ( 2 ) - « لا يخلو أن يكونا » : في غ . ( 3 ) - ما بين النجمتين ساقط من : س . ( 4 ) - « المضاد ولا الشبه » في : غ . و « لتضاد ولا لشبه » في : د . ( 5 ) - « الشيء ضد الأخر » في : د . ( 6 ) - « وفي فساد جوهر » في : ج . و « في غلظ الجوهر أو فساد الكيفية العارضة الغير مضادة » في : د .